القاضي عبد الجبار الهمذاني
120
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وقد بيّن شيوخنا رحمهم اللّه « 1 » أنّ في المرادات المتضادة ما لا يصح أن يقال إنه تعالى مريد لهما جميعا ، وذلك يبطل هذه العلة « 2 » . ومثلوا « 3 » ذلك بأنه تعالى لا يريد خلق دنيا أخرى ، ولا خلق ضدها ، لأنه لو أراد خلق أحدهما لوجد ، وقد علمنا عدمهما ، لأنه لو وجد الفناء لفنى جميع الأجسام ، ولو وجدت دنيا أخرى أو جسم عظيم لأدركناه ؛ فثبت أنه تعالى لم يردهما جميعا . وهذا مبنى على ما نقوله من « 4 » أنّ فناء بعض الأجسام فناء لسائرها . فإذا صحّ ذلك بما ندل عليه من بعد ، فالجواب يستقيم « 5 » . وقد نمثّل / ذلك أيضا بأن الحجر الموضوع بين أيدينا قد علم أنه تعالى لم يرد أن توجد فيه الحركة ولا السكون ، لأنه لو أراد أحدهما لوجد فيه حالا بعد حال ، ولو وجد لامتنع علينا فعل خلافه . وفي صحة ذلك منا دلالة على أنه لم يرد واحدا من الأمرين . وهذه الزيادة انما تزاد على قولنا ، لو كان مريدا لنفسه ، لوجب كونه مريدا للضدين . فأمّا على قولنا : انه كان يجب أن يريد سائر ما يصح أن يراد مما لا يتضاد ، فلا يصح أن يسأل عليه ذلك ، وعلى ما نقوله من أنّ إرادة الضدين لا تتضاد ، لا يلزم أيضا ، لأنه كان يجب كونه مريدا لهما ، وان لم يصح أن يفعلهما ، لأن كونه مريدا لأحدهما لا يحيل كونه مريدا للآخر . ولذلك يصح عندنا أن يريد الضدين من فعل غيره .
--> ( 1 ) رحمهم اللّه : ساقطة من ط ( 2 ) هذه العلة : علة ذكرها قبل ط ( 3 ) ومثلوا : قال ومثلوا ط ( 4 ) من : ساقطة من ط ( 5 ) يستقيم : مستقيم ط